سيد محمد طنطاوي
375
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم حكى - سبحانه - مطلبهم فقال : * ( رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ، وكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأَبْرارِ ) * . أي نسألك يا ربنا بعد أن آمنا بنبيك ، واستجبنا للحق الذي جاء به ، أن تغفر لنا ذنوبنا بأن تسترها وتعفو عنها ، وأن تكفر عنا سيئاتنا بأن تزيلها وتمحوها وتحولها إلى حسنات أو بأن تحشرنا مع الأبرار أي مع عبادك الصالحين المستقيمين الأخيار . إذ الأبرار جمع بار وهو الشخص الكثير الطاعة لخالقه - تعالى - . فأنت تراهم قد طلبوا من خالقهم ثلاثة أمور ، غفران الذنوب ، وتكفير السيئات ، والوفاة مع الأبرار الأخيار ، وهي مطالب تدل على قوة إيمانهم ، وصفاء نفوسهم ، وزهدهم في متع الحياة الدنيا . وقد جمعوا في طلبهم بين غفران الذنوب وتكفير السيئات ، لأن السيئة عصيان فيه إساءة ، والذنب عصيان فيه تقصير وتباطؤ عن فعل الخير ، والغفران والتكفير كلاهما فيه معنى الستر والتغطية ، إلا أن الغفران يتضمن معنى عدم العقاب ، والتكفير يتضمن ذهاب أثر السيئة . ومعنى وفاتهم مع الأبرار : أن يموتوا على حالة البر والطاعة وأن تلازمهم تلك الحالة إلى الممات ، وألا يحصل منهم ارتداد على أدبارهم ، بل يستمروا على الطاعة استمرارا تاما . وبذلك يكونون في صحبة الأبرار وفي جملتهم . ثم حكى القرآن أنهم ترقوا فانتقلوا من طلب الغفران إلى طلب الثواب الجزيل ، والعطاء الحسن فقال - تعالى - حكاية عنهم * ( رَبَّنا وآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ ، إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ ) * . أي نسألك يا ربنا أن تعطينا وتمنحنا بعد وفاتنا ، وحين قيامنا من قبورنا يوم القيامة ، ما وعدتنا به من ثواب في مقابل تصديقنا لرسلك ، وطاعتنا لهم ، واستجابتنا لأوامرهم ونواهيهم * ( ولا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ ) * أي ولا تذلنا ولا تفضحنا يوم المحشر على رؤس الأشهاد * ( إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ ) * أي إنك - سبحانك - لا تخلف وعدك الذي وعدته لعبادك الصالحين . فهم قد جعلوا هذا الدعاء وهو طلب الثواب الجزيل يوم القيامة ، ختاما لدعواتهم ، لشعورهم بهفواتهم وبتقصيرهم أمام فضل اللَّه ونعمه . والمراد بقولهم * ( ما وَعَدْتَنا ) * الثواب والعطاء الكائن منه - سبحانه - و « ما » موصولة أي آتنا الذي وعدتنا به أو وعدتنا إياه . وقوله * ( عَلى رُسُلِكَ ) * فيه مضاف محذوف أي آتنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك من ثواب .